فخر الدين الرازي

231

شرح عيون الحكمة

الرابع : ان هذا النوع من القياسات أحد الأنواع الداخلة تحت جنس القياس ، والصناعة انما تكمل باستيفاء الكل في جميع الأقسام الممكنة فيه . فهذا ( هو ) الكلام في منافع القياسات الجدلية . المسألة الخامسة في تعريف صناعة الجدل على الوجه الذي كان موجودا في الزمان القديم ، وترجحه على القانون الموجود في هذا الزمان اعلم : ان مدار أمر الجدل على السائل والمجيب ، الا أنه كان يراد في الزمان القديم بالسائل والمجيب غير ما يراد بهما في هذا الزمان . وذلك لأن في غرف هذا الزمان : السائل هو الذي يبتدئ فيسأل غيره عن مذهبه في مسألة معينة . فإذا أجاب ذلك الغير ، وبين ما هو مذهبه ، كان مجيبا وكان الأول سائلا . ثم إن المجيب يقرأ دليل نفسه ويكون السائل ساكتا . فإذا تمم المستدل كلامه ، جاء السائل وعارض ذلك الدليل بوجوه من الدلائل ، ثم ينازع في صحة مقدمات ذلك الدليل الذي ذكره ذلك المستدل بوجوه مشهورة مألوفة . فهذا هو السائل والمجيب في عرف هذا الزمان . وأما في الزمان القديم . فما كان الأمر كذلك ، بل الرجل إذا عرف أن له مذهبا مشهورا في مسألة ، وكان مجيبه انسان آخر . فيتسلم منه مقدمات كثيرة غير متناسبة ، كل واحدة منها وحدها . فإذا استوفاها عمد إليها وركبها تركيبا ، ينتج نقيض مذهب ذلك المجيب . فيصير ذلك ملزما مفحما ، ولا يجد إلى دفع ذلك الالزام سبيلا . وعلى هذا الوجه كانت تجرى مناظراتهم . واعلم : أن المناظرة على هذا الوجه أكثر فائدة ، وأدل على قوة الخاطر من المناظرة التي عليها غرف هذا الزمان . ويدل على هذا الترجيح وجوه :